بين الصداقة والحب ♥


2015/01/img_7109-0.jpg

قرأت مرة مقولة ” أنا أؤمن أن هناك علاقة ثالثة، علاقةُ بين الصداقة والحب، شيئٌ ثالث ليس له مسمّى!” قرأتها فاختلطت الأحاسيس والمشاعر بداخلي، وتلاطمت امواج الذكريات في عقلي، لطالما شعرت أنا أيضا بهذا الإحساس، بل ومنذ القدم، ليس إحساس جديدا بل هو إيمان داخلي لم أعترف به يوما حتى بيني وبين نفسي، ولم أكن قادرة يوما على صياغته بكلمات كهذه .. لكنه كان موجودا في ثنايا العقل اللاواعي !

بالفعل نحن نملك أصدقاء، بل ربما العشرات منهم، جميعهم أوفياء ومخلصون، نحبّهم وندرج أسماءهم جميعا مع كل دعاء وفي كل صلاة! لكن هناك دائما شخص واحد، نلجأ إليه وقت الإنكسار، فالبوح بمكنونات الخاطر والإعتراف بإنكسارك أو كشف نقاط ضعفك جميعها تصبح “بلا طعمه XD” اذا بُحت به لهذا وذاك، شخصيا يرفُض كبريائي أن يدعني أعترف بإنكساري وضعفي حتى في أشد الليالي حلكة وأقسى المواقف وطأه، أفضل ارتداء تاج الصمت واعتزال الناس وربما لبست ذاك القناع الضاحك مُخفية وراءه دموعي ووجهي الباكي، أنا من أولائك القوم الذين يتماسكون حتى آخر رمق، إنني أتماسك وأجمع شتات نفسي التي بعثرتها رياح الأيام ووطأة الواقع المرير حتى ألقى “ذلك الشخص” الذي ينظر إلى ملامح وجهي فيقول “تكلمي، إنك تُخفين شيئا!”، فأخلع عن وجهي قناعي وأضع كبريائي جانبا وأسمح لنفسي بذرف الدموع بين ذراعيه.

لماذا إذا نلجأ الى “ذلك الشخص” مُتجاهلين الخيارات الأخرى، لماذا تطمئن نفوسنا إن كان هذا الشخص بالجوار فقط! حتى وإن لم يقل شيئا للمؤازرة أو للمواساة؟ بل العجيب كيف يستطيع هو من بين كل البشر أن يشعر بأن هناك ما يزعجك! الجواب بإعتقادي هو أن المشيئة الربانية ألفت بين القلبين، كنت أعتقد أن العلاقات كلما ازدادت عتقا وعمرا إزدادت عمقا ولكني اكتشفت مؤخرا أن اعتقادي لا يمكن أن يكون قاعدة راسخه، فقد تأتي علاقة جديدة لكنها تُصبح –بسبب الظروف والمشيئة الإلهية- أعمق من سابقاتها بكثير!

إنني أزداد إيمانا بوجود تلك العلاقه الثالثة كلما تأملت في سيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، أي صديقين كانا وأي رفيقين! جمعتهما أسمى غاية وأقوى رابطة، ولا يخفى على أي منا وقوف أبو بكر مع رسولنا صلى الله عليه وسلم في أشد النوازل وثبوته معه في أعظم الفتن! وكان المصطفى لا يخجل من الإفصاح أوالإعلان عن حبه لصاحبه وتفضيله على غيره من الصحابة الكرام، فقد ورد في فتح الباري لشرح صحيح البخاري (عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك قال عائشة فقلت من الرجال فقال أبوها قلت ثم من قال ثم عمر بن الخطاب فعد رجالا). ومواقفهما معا كثيرة ليس مجال حديثنا هنا ذكرها وتعدادها.

جلست مع نفسي متأملة حال هذا النوع من العلاقات، وأضع أسئلة لم أجد إجابات نهائية لمعظمها، يا ترى لماذا لم يُخلق لها مسمى بعد؟ ألها إسم في مكان ما أو بلغة ما ولكني لم أسمع عنه أو أتفطن إليه؟ لماذا يُفصل دائما بين (الحب) و (الصداقة) أليست الصداقة أيضا تتضمن الحب؟ وإن كانا مفهومين منفصلين؟ ما هو الخط الذي يفصلها؟ إن كان هذا الفاصل موجودا فإني أظنه لا يتعدى سُمك شعرة! وإني أفضل الفلسفة القائلة بأنهما مفهومان متداخلان، بُحت بما يجول في داخلي لصديقتي وتناقشنا في الأمر وكانت خُلاصة حديثنا أنه ربما وصلت علاقتنا لأعلى مرتبة من مراتب الصداقة لا غير، لكن حتى إن كان الأمر كذلك لازلت أرى أنه وجب إحداث إسم لتلك المرتبة! أرى أنها شيئ مميز لا يُنصفه مسمى الصداقة المستهلك! هل يا ترى أصبحنا نطلق مسمى (صديق) على من يستحق ومن لا يستحق؟ لست أدري ..

في نهاية حديثي، أُهدي هذا البوح لفتاتين، هن من أقرب الأقربين لقلبي، لا تربطنا علاقة دم ولكن ترابطت وتآلفت أرواحنا، لله دركن كم من دمعة مُسحت عن خدي بأناملكن، لله درُكن حين تفهمنني من نظرة بين العيون دون أن تُخالط ذلك الإتصال بين مآقينا كلمة! لله درّكن فإني حين أبوح بكلمة شُكر وعرفان تُنكرن أفضالكن، أسأل الله أن يعينني على رد الجميل ويجعلني خير الرفيقة ويجعلنا من زُمرة “عباده المُخلَصين” ♥

فلنكن مُحمّديين .. وأطباء!

السلام عليكم ورحمة من الله تعالى وبركات

أما بعد، ألطاف الله الخفية كثيرة في حياتنا، غالبا ما تمر بنا مرور الكرام دون أن نتفطّن لها او نعي لطف الله الخفي فينا، ولا يتجلى هذا اللطف إلا لمن تبّصر ببصيرة قلبه وإيمانه في كل تفاصيل حياته.
انعقد يوم الإثنين الماضي أخر لقاء لنا مع أستاذتنا ألاء زاهد لإنهاء منهج ( ملامح في السيرة النبوية )، وفي بداية اللقاء قالت أستاذتي جملة والله إني لأود الآن لو أرجع فأسجلها وما تلاها في اللقاء تسجيلا صوتيا، قالت: (اليوم سأقرأ عليكم مواقف في سيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلّم، وسنناقشها سويا لنتأمل في حياته صلى الله عليه وسلم، سأقرأ عليكم وسنتأمل لنحاول أن نكون مُحمّديين في أخلاقنا وتعاملاتنا وجميع أمور حياتنا، لنكن مُحمديين وأطباء!)، كم أحببتها في الله وأحببت المقرر الذي درسناه معها، ومما لفت انتباهي مؤخرا أنها لم تقل لنا مرة (سيكون موعد المحاضرة الأسبوع القادم في يوم كذا) بل كانت دائما تقول (لقاؤنا القادم بإذن الله تعالى سيكون يوم كذا)، بالفعل فقد كانت لقاءات ولم تكن محاضرات، لم تكن ذلك النوع من المحاضرات التي يدخل فيها المُحاضِر ليقول ما عنده والسلام! غير آبهٍ بالطلاب وفيما اذا كان قد علّمهم شيئا ما فعلا! او أنه خرج وقد ألقى على كاهلهم حفظ أكوام من الصفحات التي لا يفقهون فحواها فقط لتحصيل الدرجات في الإختبار، لم أشعر مع أ/ألاء بالملل ولو لمرة! كانت لا تتبع النمط الممل في القراءة من الكتاب، وكانت لا تُلزمنا بحفظ ما فيه، بل كانت دائما ما تربط سيرة حبيبنا صلى الله عليه وسلم بمهنتنا كأطباء، فكانت لقاءاتنا ليست سوى جلسات ذكر، نتذكر ربنا وأمور ديننا وحبنا لنبينا الهادي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كان لقاؤنا بها كالبلسم الشافي، فنحن طالبات السنة الأولى في كلية الطب لا يعلم بحالنا إلا ربنا .. ثم من يخوض المعمعة ذاتها معنا، وإن أردت أن أكون أكثر صدقا وإنصافا لأضفت على ذلك أمهاتنا فقط، لكن هذه اللقاءات بفحواها العطر من تأمل في السيرة النبوية علمتنا أن لنا في رسول الله أسوة حسنة، وصدق تعالى حين قال في كتابه (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)، نعم! إن لنا في محمد صلى الله عليه وسلم أسوة! هذا النبي الأمي الي قاد أمةً وبنى حضارة، هذا الحبيب الذي خاض الذي خاض ليوصل إلينا رسالة ربه عز وجل، إن كُنت أنا أذوق الأمرّين لأدرس وأتعلم فأنفع واُطبّب الناس، فحبيبي ورسولي طُرد وأُهين وعُذّب هو وصحابته رضوان الله عليهم، لأكون أنا مسلمة وليصلني ويصلَكم هذا الدين !

كانت اختيارات أ/ ألاء للمواقف ممتازة جدا، رغم أنها معروفة لدى معظمنا وقد مرّت بنا مرور الكرام مرات عديدة من قبل، لكن ما أثار إعجابي هو قدرتها في رواية الموقف أو الحدث النبوي بأسلوب مختلف! أسلوب تعيش معه الموقف وينتقل بعقلك وروحك الى ذاك الزمن، وياليت الجسد يتنقّل بسهوله بين الزمان والمكان كما الروح تفعل 💔 وقد رسخ في ذاكرتي احدى طرائف -دفعتنا الفاصلة- 😂 حيث كانت الأستاذة تحكي موقفا من السيرة النبوية وهو في هذا الحديث: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: ((جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عَمِّك؟ِ قَالَت:ْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي. فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإِنْسَان:ٍ انْظُرْ أَيْنَ هُوَ فَجَاءَ فَقَال:َ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: قُمْ أَبَا تُرَابٍ. قُمْ أَبَا تُرَابٍ)). فكان من حكمة محمد صلى الله عليه وسلم هو تفطنُه للوضع المشحون أولا وعدم التطفل بالسؤال عما جرى من خلاف بين إبنته وزوجها وإحترامه لخصوصيتهما ثانيا، ولكنّه كان يكره رؤية إبنته قد نُزِعت البسمة من فاهها بسبب خلاف زوجي قد يكون بسيطا ويسهل حلّه، فراح يسعى للإصلاح بينهما، لم يسأل حبيبي عليه الصلاة والسلام إبنته “ماذا جرى؟” ولم يقل “أيُغضِبُ عليّ إبنة رسول الله!” بل راح يسألها ويليّن قلبها عليه فقال: “أين إبن عمك؟” فتحاشى تذكيرها بكونِه زوجها وذكّرها بالقرابة التي تجمعهما رغم أن عليّ في الواقع هو إبن عم أبيها لا إبن عمها، ثم راح يبحث عن علي ورآه قد آوى نفسه في المسجد ليَقيل، وقد سقط رداؤه عن شقة واتسخ ظهرهُ بالتراب -الطريف هنا هو أننا كنا نستمع للموقف بكل أحاسيسنا ونعيش كل لحظه ونتخيل كل حركة وسكنة كان تصفها الأستاذة، فحين وصفت حال علي في المسجد تعالت الأصوات في القاعة قائلة “يستاهل😂😂!” فكان تعاطُفنا وميلنا كنساء إلى جانب السيدة فاطمة جليا واضحا- ولم يعنّف صلى الله عليه وسلم عليّا أو يسأله عما جرى ولم يُظهر له أقل تعبير عن عدم رضاه عما جرى بينه وبين إبنته، بل ناداه وقيل أنه مسح التراب عنه ومازحهُ بما لا يُغضبه فكنّاهُ “أبا تراب” وذكر سهل عن عليّ رضي الله عنه التالي (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَيْهِ لأبو تُرَابٍ وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ يُدْعَى بِهَا) وكنا دائما ما نربط تحليلنا العميق للمواقف بكوننا أطباء فمثلا نستشف من هذا الموقف وجوب إحترام خصوصية المرضى وعدم إزعاجهم بالأسئلة وتخطي حدود المسموح، وان الطبيب مطالب بأن يكون ذكياً اجتماعيا وسريع البديهه بحيث يُحسن تقييم الوضع الراهن وتحليل نفسية المريض وإبداء رد فعل مناسب لإرضاء مرضاه وربما رسم إبتسامة على محيّاهم 💘

ناقشنا العديد من المواقف منها موقفه مع الأنصار بعد غزوة حُنين، وفرحه بمولد إبنه إبراهيم ثم حُزنه وكمده على فراق وموت إبنه، ناقشنا موقفا حصل بينه وبين الخطّاب عمر، كانت جميعها مواقف سمعناها من قبل بل وربما نحفظها عن ظهر قلب، لكن أسلوب السرد وعمق التحليل لأبعاد الموقف جعلتنا نستمتع بذلك اللقاء استمتاعاً تاما ونعيش كل لحظة في ذلك الموقف، أعترف هنا أنني في ذلك اليوم لم أملك حبس دموعي في أكثر من مشهد، لا أدري أهي عمق المشاعر والأحاسيس التي أوصلتها إليّ أ/ألاء؟ أم هي دموع حسرة وتمنّي أن تكون مع من كانوا ف ذاك الزمان؟ من يدري لربما يكون إجتماع السببين معا في تلك اللحظه سببا ف تهاطل تلك الدموع، ما أعرفه يقينا هو أني أشكر الله دائما على نعمة (مقرر السيرة النبوية) وأشكر الله أضعافا مضاعفة أن منّ علينا بأُستاذة قديرة، أغدقت علينا بالكثير ووأصبحت أُحس أنني أدين لها بالكثير.

أضف الى ذلك حصولي على هدية قد تكون لا تعني شيئا بالنسبة للكثير فهي بسيطة ولكنها مفيدة وعملية جدا بالنسبة لي، أضف الى ذلك ان حصولي على اي أثر لتذكر تلك اللقاءات الثمينة سيكون مرضيا بالنسبة لي بل ااني سأكون شاكرة وممتنة جدا 😍

/home/wpcom/public_html/wp-content/blogs.dir/dd6/75974976/files/2014/12/img_6869-0.jpg

أعترف هنا فيما بيني وبينكم أنه حين قيل (اليوم سيكون آخر لقاء لمنهج ملامح في السيرة النبوية) شعرت بضيق في صدري، أُدرك أن كل شيئ في الحياة لابد أن يأتي إلى نهايه، لكنني سأفتقد فعلا هذه الجلسات فيما بيننا، سأفتقد أحد أهم مصادر للدعم، تلك اللقاءات كانت تحفيزا لتجاوز كل ما نمر به من عقبات في كلية الطب، كانت تمر عليّ أيام كالكرب الأسود، ضيق وهم وتشاؤم -أعاذكم الله منهم- فيأتي لقاؤنا هذا فيفرج كل كرب ويزيل كل هم، كيف لا والله تعالى في كتابه يقول (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، تلك اللقاءات .. وكوننا ندرس سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم كانت تذكيرا لنا، بل كانت تجليّا واضحا للطف الله الخفيّ فينا.

مذكّره يوم الإثنين تاريخ 22/ديسمبر/2014م – #يوميات_طالبة_طب ☺ في جامعة طيبة وبالتحديد نظام مانشستر 😂😂❤️

نتعثر لنقف من جديد

هل ذاق أحدكم يوما إحساس الهزيمة ؟ أعني هزيمة حقيقية، ليست تلك التي تكون في لعبة رياضية ترفيهية بين فريقين، ولا هي في لعبة ذكاء ضد الأقران، بل تلك الهزيمة الهازّة للكيان! هزيمتك ضد نفسك الكسولة، العاجزة والمتخاذلة، الميّالة للهرب وتجنب المواقف الصعبة ! تستدرجك، وتقلل من عزيمتك، وتمنع قدراتك من الظهور على السطح، يا للعار! أليس من المفترض لنفسي أن تعينني على تحقيق حلمي؟ ما هذا التناقض الذي يجعلنا نحمل في الجسد الواحد كيانين اثنين يتعاركان دائما !

خلال ما يسمى بـ”الويك اند” الماضي، كنت قد مررت في صراع مع نفسي، كنت متخبطة، ضائعة، يائسة، أعترف أنني فكرت بالإنسحاب مراتٍ كثيرة، تحاورني نفسي فتقول: لماذا تكلفينني كل هذا العناء؟ لماذا تحملينني مالا طاقة لي به؟ كان سبب تخبطي هو عدم إتضاح رؤيتي وهدفي لمستقبلي، عجباً لأنفسنا كيف نعيش بلا هوادةٍ إن كنا خاوين فارغين الأحلام والطموحات العالية ! وهذا ما حدث لي .. خلال أيام دراستي بالثانوية كنت فتاة مليئة بالحياة، تتقاذفها الأحلام وتأخذ بيدها من طموح عالٍ الى أعلى، كان من أسمى مبتغاتي الإلتحاق بكلية الطب في الجامعة، وهكذا فعلت، منّ الله تعالى علي بالقبول في الكلية، فلماذا إذا التفكير بالإنسحاب ؟!

ربما كان السبب هو أنني نسيت كيف أحلم، وكيف يكون الطموح، نسيت كيف أستمتع بالصباح وأصحو كل يوم وأعيش لتحقيق حلم ! نعم كنت لم أنسى أنني التحقت بالكلية حباً وشغفاً لهذة المهنة الشريفة، لكنني لم أكن أعلم ماذا أفعل بعذ ذلك ؟ ها أنا ذا في رحاب هذه الكلية، فماذا بعد؟ أأنتظر مرور ست سنوات لأبدأ في عملي؟ ثم ماذا؟ لم يكن هناك جواب، ولم تكن هناك اي رؤية واضحة ..

الأدهى من ذلك هو تخبطي مع النظام التعليمي الجديد للكلية، المتبنّى من جامعه مانشستر، وكالعادة تكون دفعتي هي أول من يجرب أي نظام جديد، بت أعتقد انه قد كتب عليّ في حياتي أن اكون أول من يجرب كل شيئ جديد ! ففي الثانوية والسنة التحضيرية ثم في كلية الطب لا يحدث تغيير في النظام التعليمي الا في عام دخولنا، بالطبع لذلك مساوؤه ومحاسنه، لعل أكبر عقبة واجهتها هي عدم وجود من أسأله وأستفسر منه اذا داهمتني الحيرة أو التخبط والضياع، وبالرغم من ذلك فأنا مؤمنة وموقنة تمام اليقين بأن الله ما اختارنا لذلك التغيير إلا لعلمه بأننا أقدر من غيرنا على تبنّيه والتكيف عليه وإظهار محاسنة وتدارك مافيه من اخطاء وعيوب.

أعترف أنني أمضيت 4 أيام في حالة هلع وتوتر بل وربما شخّصت بالإكتئاب الحاد! 3 أيام منها لم أعرف فيها سوا البكاء، احترت في أمري، ليس من عادتي ابداء ردات فعل كهذه، كنت دائما ما أواجه الصعوبات بروح التحدي والتفاؤل وكان حدسي بأن كل شيئ في النهاية سيكون على خير ما يرام يصدُق دائما، لكنني في هذه المرة أخطأتُ في ردةِ الفعل، احتقرت نفسي وخصوصا في تلك اللحظة التي بُحت فيها لأمي بما كان يجول في خاطري وهواجسي منذ فترة .. أريد الإنسحاب ! كانت تلك لحظة إعلان إنهزامي ضد نفسي، كنت ألفظها والدمع يتهاوى من عينيّ، كيف تسنّى لي نُطقها؟ كيف نسيت كل تلك الأيام التي تعبت وسهرت الليالي فيها حتى أصل الى هذا المكان؟ إلى أين أذهب إن انسحبت؟ كان هذا السؤال يقتلني، فأنا أعلم بأنه لا يوجد مكان سيحتضنني كمثل المكان الذي أقف فيه الآن، الطب أرض خصبة لنشر بذور آمالي وطموحاتي فيها، كان عندي يقين تام بأنني لن أجد مكاننا يأويني وينمّي كينونتي وهويتي ككلية الطب، ولا تسألوني من أين لي بكل هذا اليقين !

مضى الإختبار بما فيه وانتهى يوم الأحد الموافق 30/11/2014م ، روح الحياة وحب الطب لم يعودا إليّ بعد .. شاءت الأقدار أن يكون لي زيارة للمستشفى يوم الثلاثاء من ذلك الأسبوع بمرافقة إحدى طالبات الإمتياز حيث ستأخذنا في جولة تعريفية بالمستشفى والأقسام وما إلى ذلك، رافقتنا د.هلا الجهني خلال جولتنا التي تحدثنا فيها وتطرقنا لمناقشة الكثير من المواضيع، إنني أدين لها بالكثير ! لقد أنعشت في ذاكرتي سبب اختياري للطب، أيقطت فيّ كل تلك المشاعر والأحاسيس التي نامت وخمدت داخلي لفترة، طمأنتنا قائلةً بأن الطريق صعب فقط في أوله، حيث أن كم المعلومات كبير جدا والعلامات المتطايرة تصيب الفرد بالهلع، أضف الى ذلك عدم الإختلاط بالمرضى كثيرا مما يُنسي الطالب الهدف الحقيقي وراء التكبد بكل هذا الجهد والمعاناة في المذاكرة.

ثم شاء الله أن أجتمع مع عائله نادي طيبة الطبي مساء يوم الأربعاء من الساعة 3 ظهرا حتى المغيب لتجهيز ملفات دورة MMSE التي -والحمد لله على كل حال- لم يكتب لي نصيب في حضورها XD كان لقاء ممتعا ومفعما بالحماس والرغبة لتقديم يد المساعدة في التنظيم لهذه الدورة المميزة ! قضيتُ وقتا ممتعا جدا مع عضوات النادي اللاتي أعتبرهن عائلتي ومنبعاً يتفجر عطاء، طرحت عليهن العديد من الأسئلة ولقيت الكثير من الأجوبة التي تبثّ في النفس الحماسة والرغبة في بدل المزيد من الجهد، علّموني بأنه لا بأس إن لم أحظ بأفضل علامة، ولا بأس إن اعترفت بتشتتي وتفكيري بالإنسحاب، أبدت إحداهن إعجابها من يقيني بأنني لن أجد تخصصا أفضل وأنسب لي من الطب، كنا نعمل في رتم سريع ومنسق تنسيقا جيداً، فواحدة تضع الأكياس هاهنا، والأخرى تثني الكيس وتزينة، فتأتي الثالثة لتضع لمستها الأخيرة بتدبيس الكيس وإغلاقه، كانت هذه فكرة عبير، استمتعت جدا بهذه الميكانيكية الإحترافية التي لا أظن أنني سأجد مثيلا لها في نادٍ سوى نادي طيبة 3>

2014-12-06 20.42.24  2014-12-06 20.42.30

2014-12-06 20.42.40  2014-12-06 20.42.04

في مسرح كلية الطب، يوم الأربعاء الموافق 3/ديسمبر/2014م

بعد أن بلغ منّا الجوع مبلغه، أنقذتنا رئيستنا ألاء من براثنه وتحملقنا حول سفرة بسيطة تحفنا أجواء المودة والألفة، كم تمنيت لو أن لنا مقراً يأوينا ويجمعنا بدلا من التشتت، في كل مرة يكون لنا مكان تجمع مختلف، ألا نستحق شيئا من الإستقرار؟ لماذا في بلدي يكون كل شيئ سهل الحصول عليه للبنين؟ بينما نبقى نحن الفتيات نندب كوننا فقط .. فتيات! كانت عبير قد استلمت دفّة الحديث وراحت تحكي لنا عن تجاربها وتطبيقها في المستشفى وما يتداول من ثرثرات وتحديات سخيفة بين الممرضات، أضف إلى ذلك قصة قبولها في تخصص التمريض والتي مرت فيها بالكثير من الصعوبات وهاهي الآن على مشارف التخرج، عبير بشخصيتها اللطيفة وأسلوبها المميز كانت تشدّ الانتباه، منذ اللقاء الأول تترك فيك إنطباعا لا يمكنك نسيانه بسهولة أو تجاهله، كنت أعرف أنني سأتعلم منها الكثير الكثير، ولم يخب ظني يوما كما عهدته! إنني ممتنة لها فعلا فقد ألهمتني قصتها ودلتني وأصبح واضحا بالنسبة لي مالذي يجب عليّ فعله في الخطوة القادمه.

كان أسبوع حافلا! بائسا في بدايته مكللا بالفرحة والعزيمة في آخره، فلك الحمد والشكر يالله على جميع هذه النعم والعطايا، ولك الحمد على كل ما نمرّ به، لك الحمد يا الله في الرخاء وفي الشدة ولك الحمد في كل حين ومع كل نفس.

في يوم ميلادي

بسم الله الرحمن الرحيم

لأن اول ما يدوّنه الخطاط بقلمه الجديد ومحبرته هو “بسم الله الرحمن الرحيم”

آثرت نفسي أن تفتتح بها الزاوية التي ستكون ملجأ وملاذا لكل شاردة وواردة من مكنوناتها

* في يوم ميلادي*

25/أوكتوبر/2014 م الموافق 1/1/1416هـ

تمام الـ 19 من عمري وبدايه عام هجري جديد !

ها أنا ذا اكتبُ تدوينتي الأولى في يوم ميلادي، والفرحة تطير بقلبي

أعترف .. لم يخطر لي ذلك قط !

كنت قد تخيّلت تدوينة مليئه بالأسى، وحكايا مَن –مردغتهم- الحياة XD

أدين بهذا لصديقات دربي

جمانة، منتهى، سمية و جوانا

كتب الله أجوركم، كتب الله أجوركم .. بقدر السعادة التي زُرعت في قلبي بعد أن ذبُلت وشارفت على الهلاك

زرعتم الأمل، التفاؤل، واعدتم نبض الحياة في قلب –يعلم الله- انه كاد أن يشتعل شيبا !

ها أنا ذا أتأمل أحداث سنتي الـ 19 في هذه الحياة

لن أُبالغ ان قلت ان هذا العام المنصرم كان أكثر اعوام حياتي إثارة واكتظاظا بالأحداث

الحلوُ منها موجود ولكن المرّ هو الأغلب

ومما يثير في نفسي العجب ! هو أنني أبتسم أكثر كلما تفكرت في تلك الصعاب التي انقضت !

لربما هي ابتسامة النصر ؟ وعلامة تخطي المشكله ؟

ولكي أكون أكثر صدقا وشفافية وجب عليّ ارجاع الفضل في ذلك الى “أمي” و”جوانتي” بعد الله تعالى

وحقّ لي إفرادهم بالذكر هاهنا ..

فالله وحده يعلم عدد المرات التي مدوا فيها أياديهم إليّ بعد ان تعثرت في منتصف الطريق

لن أطيل الحديث ولن اهدي نفسي أمنيه زائفة بسنه جديدة سعيدة

فالحياة لن تكون سعادة فقط!

بل اسأل الله سعادة تملؤُ قلبي وقوّة لتخطي عثرات الحياة